Follow us on Twitter Inash on Youtube Find us on Facebook
مجلة التراث والمجتمع العدد 50
  Skip Navigation Linksالصفحة الرئيسية مركز دراسات التراث مجلة التراث والمجتمع مقالات مختارة غار حِراق...
   
  غار حِراق ... وقحمد!! والمبالغة في التصويب أنعاش الأسرة  
  مجلة التراث والمجتمع العدد 51 - طارق حميدة - 27/09/2010م - 01:00 م  
 
Print
غار حِراق ... وقحمد!! والمبالغة في التصويب
 
     
 
  حجم الخط :
 
 
 
استوقف كاتب هذه السطور، وهو يُدرّس تلاميذ المرحلة الأساسية، في مدينة رام الله، قبل سنوات، أنّهم كانوا يكتبون في أوراق الامتحانات (غار حراق) بدلاً من غار حراء، وهم يتحدّثون عن بدء نزول الوحي على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ذكّرني ذلك بطرفة كنت سمعتها من سنين طويلة.
تقول الطرفة: إنّ مدرّساً جديداً دخل غرفة الصف، في إحدى مدارس مدينة القدس، وبدأ بالتعارف مع التلاميذ، حيث سأل التلميذ الذي في المقعد الأول عن اسمه، فقال: (آسم)، فصحّحه المعلّم: قل قاسم يا بنيّ، ثم سأل التلميذ التالي عن اسمه فقال: (قحمد)!!.
والشاهد هنا أنّ التلميذ الثاني عندما صوّب المعلّم لزميله، وطالبه بنطق الهمزة قافاً، ظنّ أنّ كلّ ما يلفظه همزة في لهجته المقدسيّة العامّية هو في اللغة الفصيحة (قاف)، حيث نطق همزة أحمد قافاً، وبالمثل فإنّ تلاميذي ظنّوا أنّ الهمزة في غار حراء، هي في الأصل قاف يلفظونها بسبب اللهجة همزة.
وهذه الظاهرة يسمّونها في علم اللغة، بالتصويب المفرط أو المبالغ فيه، Hypercorrection))، وتعني: فرطاً في التصحيح اللغوي ناتجاً عن اعتقاد مجانب للصواب. عن طريق استخدام المتكلّم أو الكاتب بعض أحكام النطق أو القواعد النحويّة، الحقيقية أو المتوهّمة، في سياق خاطئ، بحيث تؤدّي الرغبة في التصحيح إلى نتيجة غير صحيحة، ويكثر ذلك في حديث الناس بغير لغتهم أو غير لهجتهم، أو أثناء استخدام اللغة الرسميّة أو العلميّة.
وقد ترجم المصطلح السابق في بعض المصادر العربية المعاصرة بِ (اللحن أو اللحن الاشتقاقي، أو الحذلقة) بحسب التوصيفات التي ذكرها اللغويّون العرب قديماً للحالات المشابهة أو المقاربة، وأصل اللحن في اللغة الميل أو العدول عن الصواب، فاللحن هنا هو الخطأ اللغوي، وأمّا وصفه بالاشتقاقي فذلك من أنواعه أو أسبابه، وربّما كان تعريف (الحذلقة) غير بعيد لاشتماله على أمرين: الحرص على الحذق أو ادّعائه من جهة، ثم الوقوع في الخطأ بسبب ذلك، فالحذق يشتمل معنى الذكاء والإتقان والمهارة، والحذلقة محاولة ذلك أو ادّعاؤه والتظاهر به.
وثمّة أمثلة عديدة، يمكن إيرادها، في سياقات متعدّدة، سواء في حديث أو كتابة الشخص بغير لغته أو لهجته، أو في استخدام المتعلّمين وأنصاف المثقّفين للّغة الفصيحة، ومنها:
1) المثالان: (حِراق، وقحمد)، اللذان ابتدأ بهما المقال، يصفان خطأ بعض أبناء المدينة في تصويب الهمزات وجعلها قافات؛ لكنّ بعض أبناء الريف، والبنات بشكل أخص، ينطقن الكاف همزة، في كلمات مثل: (كعك، كيف حالك، وسمك)، وسبب الخطأ نطق (القاف) عند المدنيّ والريفيّ، حيث ينطقها المدنيّ (همزة)، وينطقها الريفي (كافاً)، فإذا حاول الريفي التكلّم باللهجة المدنيّة، فإنّه يقع في التعميم الخاطئ ويحوّل إلى الهمزة كلّ الكافات في لهجته، وإن لم تكن في أصلها قافات.
2) وفي اللهجة المدنيّة، الفلسطينيّة، وكذا المصريّة والسوريّة، تتحوّل الثاء إلى سين، والذال إلى زاي –أو دال- وقد لاحظ كاتب هذه السطور في العديد من الكتب والدوريّات، ومن باب التصويب المفرط، كيف تتحوّل بعض السينات الأصليّة إلى ثاءات، وبعض الزايات إلى ذالات، ومن يتابع برامج الإعلامي المصري أحمد منصور لن يعدم العديد من الأمثلة.
3) في عامّية بلاد الشام ومصر، ينطق جمع المذكر السالم بزيادة الياء فقط، وتلفظ كلمة أبو بالواو فقط، ويستمرّ هذا الواقع لدى قليلي المعرفة اللغوية في الكتابة والتحدّث بالفصحى، حتّى في الحالات التي تستدعي علامات إعراب مغايرة، فإذا جرى وتنبّهوا إلى وجود الواو في جمع المذكر السالم في اللغة الفصيحة، والألف والياء بالنسبة للأسماء الخمسة، فإنّهم يظنّون أنّ الاستخدام العامّي السابق هو خطأ مطلق ولم يعودوا إلى الاقتراب منه، ولذلك يستخدمون فقط الحالات الإعرابيّة الأخرى. فالمعتاد أن نقول (مسلمون ومعلمون) فإذا أراد أحدهم التفاصح فإنه في جميع أحوال كلامه أو كتابته يكرّر (مسلمون ومعلمون) وكذلك فالمعتاد في العامّية الفلسطينيّة أن نقول (أبو فلان) ولا نقول (أبا) ولا (أبي) فإذا تكلّم بالفصحى فإنه لا يستخدم (أبو) ويكرّر فقط إحدى الحالتين.
4) في العامية المغاربيّة تتحوّل الثاء تاء، وعند التصويب الزائد، يقع أن تتحوّل عدد من التاءات الأصليّة إلى ثاءات.
5) عندما يتعلّم العربيّ اللغة الإنجليزيّة، يركّز المعلّمون على التفريق بين حرفي (B) و(P)، وكذلك بين حرفي (F) و(V)، ولذلك يقع الكثيرون، وهم يبالغون في التصويب، في نطق الحرف (P) بدلاً من (B)، حتى في أسماء عربيّة تتضمّن حرف الباء، وكذلك الأمر بالنسبة للنطق بالحرف (V) بدلاً من الحرف (F)، ومن الأمثلة على ذلك النطق باسم برج إيفل (Eiffel).
6) ليس في الإنجليزية حرف الحاء، وهم ينطقون الحاء العربية هاءً، فإذا ما بدأ أحدهم التعمّق في العربية، وأراد أن يصوّب النطق بالحاء، فإنّه يحوّل عدداً من الهاءات الأصليّة في العربية إلى حاءات؛ فيقول: (حاذا، بدلاً من: هذا)، وبالإمكان ملاحظة كلام المسلمين الجدد الذين يتحدّثون العربيّة أو يتعلّمونها، وكذلك بعض المتحدّثين باسم الخارجيّة البريطانيّة في الفضائيّات.
7) بعض الكوميديّين المصريّين وفي سياق تقليدهم للّهجة الصعيديّة، ينطقون كلمة العنجليزي بدلاً من الإنجليزي، وسواء كان هذا تقليداً واقعيّاً أو مصطنعاً، لما يحدث أو يمكن حدوثه، فإنّ المنطلق هو ذاته المبالغة في التصويب، حيث ينطق البريطانيّون والأمريكان العين همزة، ولا يستبعد أن يقع البعض في التعميم الخاطئ؛ فيستبدل كلّ همزة عيناً.
8) ينطق كثير من اليهود المحتلّين وبالذات من الغربيّين، الحاء خاء، ويدرك الذين يتعلّمون العربية أو يمارسونها بطبيعة عملهم، هذا الخطأ، وأثناء محاولتهم تصويبه، يقعون في المبالغة فينطقون حتى الخاءات الأصليّة حاءات.
وبإمكان أيّ شخص ملاحظة أمثلة كثيرة، على الأخطاء الواقعة في كلام الناس وكتاباتهم، ولدى متعلّمي اللغات، أو المتحدّثين بغير لهجاتهم.
 
     
 
     
 
  التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الجمعية وإنما تعبر عن رأي أصحابها
لاضافة تعليق اضغط على    
لا يوجد تعليقات حالياً
 
 
 
[HyperLink139] [HyperLink235]