| مـــدخل |
|
| عندما عدت في المرة الأخيرة إلى المكان الأول الذي تعرّفت فيه على فلسطين، مخيم اليرموك، وحين كنت أودّع صديقتي، رجتني والدتها، أم محمد -التي هُجّرَت من صفورية أيّام النكبة الأولى- بأن لا أنسى في زيارتي القادمة أن أحضر لها بعضاً من تراب قريتهم، ومن أمام بيتهم بالذات، والذي وصَفَته لي بدقة: "فوق على التلة جنب بيت أبو خليل، الكلّ هناك بيعرفه، اسألي أي حدا بدلّك، وجنب بيتنا في خرّوبة كبيرة، لا تنسي المرّة الجايه، لا تيجي بدون التراب...". كانت تحدّثني وصورة بيتها ترتسم في خيالي، بينما يمرّ شريط صور القرى المُهجّرة التي رأيت بقاياها على التلفاز وفي بعض الكتب والمواقع الإلكترونية أمام ناظري. |
|
| بقي حديث أم محمد يدور ببالي وأنا في طريقي إلى البيت، حيث أعيش متنقّلة بين مدينة رام الله وقريتي صوريف. أدركت وقتها أنّ الصورة التي لديّ لفلسطين -أنا التي سمحت لي الصدفة بالعودة من مخيّم اللجوء في الخارج إلى ما تبقّى من أرض الوطن- تختلف عن تلك التي اختزنتها أم محمّد طوال ستين عاماً، حين أُجبِرَت على ترك صفّورية ولم تحمل معها إلاّ صورة بيتها الذي مازالت تعتقد أنّه يقف هناك بانتظارها، هو والجوار الذي شهد ولادتها ببيوته وناسه وأشجاره. ترسم أمّ محمد صورةً مفصّلةً لفلسطين من خلال روايتها لحياتها في منزل أهلها في قريتها صفّورية، على الرغم من أنّها لم تكن قد تجاوزت حينها، في العام 1948، السابعة من عمرها. وبعد مرور أكثر من ستين عاماً من الانتظار في مخيّم اللجوء، ابتكرت أم محمد طريقتها الخاصة للعودة إلى بيتها في فلسطين، موصيةً بناتها وأبنائها بنثر التراب الذي طلبت مني إحضاره من صفّورية على قبرها. |
|
| من الطبيعي أن يختلف الواقع الذي وجدتُه على أرض فلسطين عن الصورة التي رسمتها له في المخيّم البعيد، فلم يكن الإعلام في تلك الفترة قد اقتحم حياتنا بالشكل الذي هو عليه الآن. لكن ما لم يبدُ طبيعيّاً بالنسبة لي في البداية هو وجود المخيم الفلسطيني في فلسطين. وعلق السؤال بلساني لفترة: "هون في مخيّمات كمان؟"، وكلّ مرّة يستغرب من حولي سؤالي "الساذج". لكنّي حين مررت بمخيّم الدهيشة لأول مرة شعرت بالجو الحميم ذاته، فهو يشبه المخيم الذي أعرفه، ثم تكرّر الشعور ذاته لدى زيارتي لكل من مخيم العزة والفوار والعروب والأمعري وقلنديا؛ الأزقّة نفسها هنا وهناك، حتّى أشكال المنازل والأبواب والحيطان المتلاصقة والمرشقة بالبوسترات والشعارات. |
|
| الذاكرة والرموز والهوية |
| إن قصة فلسطين مع السيطرة الاستعمارية/الكولونيالية هي قصة طويلة، فلم تنتهِ معاناة الفلسطينيين من السيطرة الكولونيالية البريطانية، إلاّ لتبدأ رحلة جديدة من المعاناة من الاستعمار الصهيوني الاستيطاني والذي هو نفسه امتداد لمشروع الاستعمار الأوروبي للمنطقة وبدعم منه، تحت شعار "منح يهود العالم وطناً قومياً في فلسطين". والمشكلة أنّ فلسطين لم تكن أرضاً خالية كما ادّعوا، ممّا خلق بموازاة "الدولة الإسرائيلية" كارثة إنسانية تمثّلت في اقتلاع أكثر من ثلثي شعب فلسطين من أرضهم، ليتحوّلوا بعد ذلك إلى لاجئين يعيش معظمهم في مخيّمات لا تبعد عن أراضيهم الأصلية سوى بضعة كيلومترات. هنا بدأت كارثة الفلسطينيّين التي أسموها النكبة، بشكل رسمي، مع إعلان قيام دولة إسرائيل في العام 1948، والذي تُرجم على الأرض برزمة من التفكيكات المستمرة: تفكيك الحيّز الجغرافي والسكّاني والطبقي والاقتصادي والثقافي والسياسي للمجتمع الفلسطيني، مروراً بنكسة العام 1967 التي استكملت فيها إسرائيل سيطرتها العسكرية على الجزء المتبقّي من فلسطين والمتمثّل بالضفة الغربية وقطاع غزة ووصولاً إلى اتّفاق أوسلو؛ الذي فكّك فلسطين إلى أجزاء متناثرة تحت مسمّى الضفة الغربية وقطاع غزة. صَاحَب هذه التغيّرات المادّية على أرض الواقع، تغيّرات في الوعي الفلسطيني على المستويين الرسمي والشعبي: |
|
|
| "هدمت النكبة البنية الاجتماعية التقليدية للمجتمع الفلسطيني وفَصَلت الفلاّحين الفلسطينيّين عن الأرض -مصدر معيشتهم- وقطعت ولاءهم المباشر لها. بالنتيجة، أصبحت الأرض والعودة إليها رموزاً وطنية هامة" (Nakhleh, 1975: 32). |
|
| ظهرت هذه الرموز في سرديّات الفلسطينيّين السياسيّة والأدبية على حدّ سواء، رافق ذلك نشوء حركات مقاومة سياسيّة تتبنى أيديولوجيا قوميّة رفعت شعار الثورة والكفاح المسلّح، وكان للاّجئين في المخيمات دَور في هذه الحركات بشكل حوّلهم من ضحايا سلبيّين إلى صامدين ومقاتلين وعائدين، أي باختصار إلى أعضاء فاعلين ومشاركين في رفض رواية الماضي المهزوم، كما جاء في روايات اللاجئين التي جمعتها بعض الأبحاث الإثنوغرافيّة التي أُجريت في مخيمات اللجوء في لبنان (Sayigh 1979, 1980, 1998; Peteet 2005). وشكّلت قصة استعمار فلسطين، وبالتحديد "نكبة الـ48" والقرية والماضي الفلاحي الجميل وحاضر اللجوء ومستقبل العودة، الرموز الرئيسية التي بنى الفلسطينيّون حولها هويتهم القومية الجماعية وأهمّ مكوناتها الذاكرة، كما يورد باحثون ومفكرون فلسطينيون من حقول مختلفة. |
|
|
| إن تكرار ورود هذه الرموز في روايات الفلسطينيّين الرسمية والشعبية لم يحدث بالصدفة، فالرموز التي يتم اعتمادها لبناء الذاكرة القومية "انتقائيّة بطبيعتها" (بشارة، 1997: 47). والذاكرة الجماعية "ليست شيئاً خامداً سلبياً، بل هي مجال فاعلية، يتم في إطاره انتقاء أحداث الماضي وإعادة بنائها وصونها وتحويرها ومهرها بالدلالات السياسية" (سعيد، 2002: 101)، هذا ما أجمع عليه باحثون ومفكرون فلسطينيون في حقول الأنثروبولوجيا والأدب والسياسة: |
|
| "تأتي الرموز، التي هي جوهر الهوية الجماعية، كعبارة عن تلخيص للصفات المشتركة بين أفراد الجماعة وللتاريخ والتجارب التي مر بها أفراد الجماعة معاً بطبيعة كونهم أفراداً في هذه الجماعة،[...] ومع أن الفلسطينيين اشتركوا في تاريخ وتجارب كانت تجمع بينهم وتميزهم عن غيرهم من أبناء الشعب العربي، إلا أنهم كانوا يدركون هذه التجارب بوعي وهوية عربية أكثر مما هي فلسطينية، لأنهم كانوا يرون أنفسهم كعرب يدافعون عن قطعة أو مساحة من العالم العربي اسمها فلسطين، والحقيقة أن الهوية الفلسطينية تبلورت بشكل خاص أثناء تجربة الشتات في العام 1948 وما حل بالفلسطينيين من المصائب والمآسي بعد ذلك مباشرة، فجميع الشعوب تقريباً تلجأ إلى حيلة نفسية أو فكرة في التعامل مع ماضيها، وهي أن تأخذ أيديولوجيتها وأهدافها القومية والسياسية في الحاضر والمستقبل ثم تسقط هذه الأيديولوجية والأهداف والطموحات على الماضي، ثم تعود فتستعمل الماضي لتبرير الحاضر والتحضير للمستقبل" (كناعنة، 2000: 62-64). |
|
|
|
| ويقول فيصل دراج في السياق نفسه: |
| "إن الهوية الفلسطينية المركبة والمعقدة أو الجوهرية، إن صح القول، هي الصادرة عن تجربة اللجوء والمصادرة والمقاومة. هذه الهوية تمد الفلسطيني بثقافتين وتاريخين وشخصيتين: ثقافة معطاة، وتاريخ معطى وشخصية معطاة، ترد جميعها إلى الولادة والتاريخ، وثقافة وتاريخ وشخصية صادرة عن التجربة. وعلى هذا، فلا وجود لثقافة فلسطينية حقيقية خارج "زمن النكبة"، ولا تاريخ إلا انطلاقاً من هذا "الزمن"، ولا شخصية فلسطينية بمعزل عن أشكال الاضطهاد التي جاء بها اللّجوء. لا يعني هذا أبداً الاستخفاف بالتاريخ الذي سبق النكبة وبثقافته، فهذا كلام سخيف تافه المعنى، فالمقصود استلهام التاريخ القديم من وجهة نظر الحاضر، وإعادة قراءة الموروث الثقافي من وجهة نظر الحاضر أيضاً، وبسبب ذلك، يستطيع الفلسطيني أن يستذكر أن زمنه الأساسي الجوهري قائم في الحاضر، وأن هذا الحاضر هو الزمن المركزي الذي يستدعي الماضي ويقرّر شكل المستقبل" (دراج، 2008: 25-26). |
|
| انطلقت هذه الدراسة من هنا، من الحاضر، فتمت أغلب اللقاءات مع المبحوثين والمبحوثات في الفترة الواقعة بين تموز وكانون الأول 2008، بغرض البحث عن الصورة الذهنية لفلسطين في سرديات وروايات لاجئين من أجيال مختلفة في كل من مخيمي اليرموك وقلنديا، كنموذج للروايات الفلسطينية في حالتين للجوء في الخارج والداخل. انطلقت الدراسة لتبحث عن إجابات للأسئلة التالية: ما هي الروايات التي يسردها اللاجئون عن فلسطين في المخيمين؟ من أين تبدأ؟ وما هي القصص التي تسيطر على الروايات؟ وأين هي من الماضي والحاضر والمستقبل؟ لكن لا يقتصر هدف الدراسة على جمع روايات شفوية غنية من لاجئين ينتمون إلى أجيال مختلفة في المخيمين، وإنما تحاول فهم المؤثرات التي تسهم في تشكيل الروايات المختلفة، وذلك من خلال قراءتها في ضوء الشرط الاستعماري والظروف التي أنتجتها القوى الخارجية والداخلية المسيطرة على الفضاء الفلسطيني اليوم. والشرط الآخر الذي لا يقل أهمية هنا، هو التحول في الخطاب الرسمي الفلسطيني بعد أوسلو، والذي نقل المشروع الوطني الفلسطيني الرسمي من مشروع تحرير وعودة إلى الوطن، إلى مشروع دولة فلسطينية على جزء من الأرض، مع تأجيل بحث موضوع اللاجئين إلى أجل غير مسمى. واستدعى هذا بدوره ربط روايات اللاجئين بالظروف المادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشونها بفعل استمرار حالة اللجوء وتغييبهم من مشاريع التسوية السياسية من جانب، وبالأيديولوجيات السياسية والحزبية والفكرية المهيمنة في المجال الفلسطيني والعربي والعالمي من جانب آخر، حيث لم يعد المخيم، في الحالتين اللتين تغطيهما هذه الدراسة على الأقل، جزيرة معزولة عن البيئة التي حوله، لكن من الواضح أن سكانه يختلطون بالمحيط المحلي في حياتهم اليومية، وبالمحيط العالمي من خلال الفضائيات، وبحدود أقل من خلال المؤسسات الغربية العاملة في البلدين. |
|
|
|
|
|
| موقع الدراسة ضمن أدبيات اللجوء والتهجير القسري |
| تناول الباحثون الموضوع من وجهات نظر مختلفة ضمن عدة حقول. وإذا توجب تصنيف هذا البحث فهو يأتي ضمن البحوث التي تهتم بالسرديات الشعبية لدى اللاجئين والجماعات التي تعرضت إلى تهجير قسري من أوطانها الأصلية، أي ضمن حيز الدراسات التي تهتم بالتاريخ الاجتماعي. تركز الدراسة الحالية على حالة محددة من الجماعات المُهجّرة وهم اللاجئون الذين اقتلعوا من أراضيهم سنة 1948، نتيجة لعمليات ممنهجة من التطهير العرقي كما ورد في العديد من الدراسات (كناعنة، 2000؛ الصباغ، 2005؛ بابه، 2007). إلا أن هذا لا يعني أن أثر الاقتلاع والتشرد اقتصر على فئة اللاجئين فقط، فما زال الفلسطينيون الباقون ضمن حدود فلسطين الانتدابية، سواء في الجزء المحتل سنة 1948 أو في القدس أو في الضفة الغربية وقطاع غزة، يعانون من الاضطهاد وخطر الاقتلاع والتشريد: "الاحتلال بحد ذاته وما يترتب عليه من نتائج يمكن قراءته كشرط تشتيتي diasporic condition، ومن هذا المنطلق فإن سكان الضفة الغربية وقطاع غزة يعانون من عملية اغتراب مستمرة عن الأرض" (Hanafi, 2006). لكن شروط اللجوء؛ أي تجربة الاقتلاع والتشريد التي عاناها اللاجئون، والتهميش الناجم عن العيش في مخيمات تختلف عن المجتمع المحيط، لا بد وأن تعمق الإحساس بالاغتراب واللامكان، مع أن درجة الاختلاف تتباين حسب الوضع السياسي والاقتصادي للمحيط المضيف، بما يجعل بعض المخيمات تبدو للوهلة الأولى أشبه بأحياء الصفيح أو مأوى الفقراء [هذا ما شعرته بزيارتي لمخيمات لبنان وبعض مخيمات غزة]، بينما تتشابه مخيمات أخرى مثل مخيم اليرموك مع بيئة الأحياء المدنية المجاورة لها بما يتوفر فيها من خدمات وبنية تحتية وأماكن ترفيهية. وعلى الرغم من هذه الاختلافات، فإن المخيمات أصبحت أمكنة يتشارك فيها الفلسطينيون ذكريات ماضٍ ضائع، وتجارب اللجوء والكفاح والصمود في الحاضر، وتساؤلات حول مستقبل مجهول. وقد عبر الكثيرون ممن قابلتهم في مخيمي قلنديا واليرموك، خاصةً من الجيلين الأول والثاني، عن شعورهم بأن المخيم يعطيهم الإحساس بالأمان والحماية والقوة والانتماء. ومن الاستراتيجيات التي يلاحظها أي زائر للمخيم قيام اللاجئين بإعادة بناء الروابط العائلية والقروية التي كانت سائدة في البلاد قبل التهجير، حيث غالباً ما يتجمع أفراد العائلة أو الحمولة وأحياناً البلد الواحدة في نفس المنطقة في المخيم وتأخذ المنطقة اسمها من اسم العائلة (حارة المواعدة نسبة إلى آل موعد من صفورية في مخيم اليرموك)، أو اسم البلد الأصلي في فلسطين (حارة ساريس أو صرعة في مخيم قلنديا، وشارع لوبية تجمع عائلة الشهابي في مخيم اليرموك والشهير بسوقه الكبير، وحارة المغاربة في مخيم اليرموك، والتي تضم عائلات من أصول جزائرية كانت تعيش في فلسطين، غالباً في قضاء طبريا، حين حدث التهجير في العام 1948). |
|
|
|
| هناك العديد من الباحثين الذين تناولوا موضوع تشكل الذاكرة والهوية ضمن مجتمعات اللاجئين والأقليات المشتتة في العالم نتيجة تعرضها للاضطهاد، كالأرمن والأكراد واليهود وبعض القوميات التي بدأت في البروز في أوروبا الشرقية وأفريقيا: |
| (Curtis, 2005; Gross, 2002; Booth, 1999; Barseghyan, 2004; Malkki, 1992, 1995, 1996; Said, 2000; Emerson, 1969; Gupta and Ferguson, 1992). |
|
| أما فلسطينياً، فقد صدر عدد من الدراسات التي انطلقت من روايات أو سرديات الفلسطينيين كأساس لها، ويمكن تصنيفها ضمن مجموعتين رئيسيتين: |
|
| اهتمت المجموعة الأولى بجمع الرواية الفلسطينية بغرض توثيق الحياة في فلسطين قبل التهجير وأثناءه، وبعد ذلك في المخيمات. (صايغ، 1980؛ كناعنة، 1985-1987؛ فرح، 1998؛ يحيى، 2006، 2008؛ موعد، 2002؛ جرار، 2003؛ القلقيلي، 2004؛ سرحان، 2005؛ ميعاري، 2005؛ علان، 2007؛ عمرو، 2007). اعتمدت هذه الدراسات في الغالب على أسلوب التاريخ الشفوي من خلال مقابلات معمقة مع الفاعلين الاجتماعيين؛ نساء ورجال يصفون الواقع التاريخي الذي عايشوا أحداثه. |
|
| بينما تُصنف المجموعة الثانية من الأبحاث ضمن الدراسات الإثنوغرافية، قامت بها باحثات غربيات مهتمات بمواضيع تحولات الهوية وبناء الذاكرة، والروايات التاريخية لدى اللاجئين الفلسطينيين الذين عاشوا تجارب اللجوء، وأحياناً قليلة العودة إلى الوطن، مثل دراسة هامر وغيرها: |
|
|
| (Sayigh, 1979, 1998; Peteet, 1996, 2005; Schulz, 2003; Hammer, 2005) . ومع أن الباحثات المذكورات قمن، في تناولهن لهذه الروايات، بتسجيل روايات الفلسطينيين في أماكن تواجدهم، إلا أن موضوع اهتمامهن الرئيسي كان تشكل الهوية الوطنية في حالات الصراع واللجوء والاقتلاع، ولم يقمن في تحليلهن بالتركيز كثيراً على تحليل مضمون الروايات التي يسرد من خلالها الفاعلون الاجتماعيون رؤيتهم للتاريخ الاجتماعي والسياسي لفلسطين (الماضي، الحاضر)، وربطه بتوقعاتهم المستقبلية. وهذا ما حاولت هذه الدراسة أن تقوم به، مع إضافة البعد المقارن بين اللجوء في الداخل والخارج (المقصود داخل وخارج حدود فلسطين التاريخية). وفي الدراسة الحالية، أعتقد أن البعد المقارن سيساعد في التوصل إلى فهم أعمق للعوامل التي تسهم في بناء رواية فلسطين بنسختها الشعبية. |
|
| منهجية الدراسة |
| استخدمت في هذه الدراسة منهَجَيّ المسح والمشاركة في الحقل، باعتماد أسلوبيّ الملاحظة والمساءلة، والأداة الرئيسية التي لجأت إليها هي المقابلة المعمّقة شبه المنمّطة semi-structured interview بالإضافة إلى اللجوء إلى الملاحظة الدقيقة للمبحوثين وبيئتهم. ونظراً لكون هدف الدراسة مركب من مستويين، تطلب هذا الدقة والتنظيم في اختيار المبحوثين وجمع البيانات وتحليلها في إطار نظري ومفاهيمي مناسب، حيث لا تسمح طبيعة هذا البحث بمدخل نظري محدد منذ البداية، بما هو بحث إمبريقي يسعى إلى استكشاف طبيعة الرواية الموجودة أصلاً لدى المبحوثين في المكانين، ومن ثم الاستعانة بالمداخل النظرية المناسبة لتفسير آليات تشكل هذه الروايات. هنا، بالتحديد، ساعدت تقنيات منهجية النظرية المتجذرة Grounded Theory، بما توفره من آليات لتنظيم عمليات جمع وتحليل البيانات الكيفية، في بناء معرفة مفاهيمية ونظرية متجذرة في البيانات المجموعة في البحث الإمبريقي أساساً (Charmaz, 2006: 2, 130). حيث تقترح هذه الطريقة تقنيات تساعد الباحث على التنسيق بين عمليات جمع البيانات وتحليلها، بتوظيف أو استنباط النظرية الملائمة لموضوع البحث، بحيث ينطلق من موضوع البحث ويعتمد على تحليله للبيانات المجموعة في توظيف المعرفة النظرية أو بنائها وليس العكس. فتستند فكرة النظرية المتجذرة على أنّ النظرية المرتكزة على البيانات أساساً ستقدم رؤية أقرب إلى فهم الواقع من وجهة نظر المبحوثين أنفسهم، كونها ترتكز في تصنيف البيانات وتنميطها على الروايات التي يتم جمعها من المبحوثين، وذلك بعكس البحوث التي تنطلق من فرضيات مستمدة من نظريات تم التوصل إليها اعتماداً على خبرات سابقة أو من مجرد توقعات. وقد تطورت هذه المنهجية في محاولة لتلبية حاجة الباحثين لاكتشاف ما يحدث حقيقةً في الواقع، من خلال توظيف النظريات أو استخلاصها بالاستناد إلى البيانات المجموعة، بما يطور فهماً أعمق للفعل الاجتماعي الذي يتم في شرط معقد ومتنوع وبتأثير عوامل متداخلة؛ إضافة إلى أن هذه المنهجية تأخذ بعين الاعتبار الدور الذي يلعبه الفاعل الاجتماعي في إضفاء المعاني للواقع، من خلال علاقاته التفاعلية مع البيئة والشخوص والمعاني، والعلاقات المتداخلة بين البنية والفعل الاجتماعي (Strauss and J Corbin, 1998: 10-12). لا يعني هذا أن استخدام تقنيات النظرية المتجذرة يؤدي بالضرورة إلى تطوير نظريات تشرح العالم الاجتماعي بشكل يعكس الواقع تماماً، ولكنها، كما أفهمها من تجربتي المتواضعة، تقدم طرقاً للتعرف على المعاني التي يسبغها الناس على تجاربهم وعوالمهم الاجتماعية، باللجوء إلى وسائل منظمة ومرنة في جمع المعلومات والتحليل، وهذا ما سعيت إليه من البحث في روايات اللاجئين الفلسطينيين. |
|
|
| وجدت تقنيات النظرية المتجذرة مفيدة في حالة هذه الدراسة التي تريد التعرف على صورة فلسطين في أذهان اللاجئين اليوم، سنة 2008، بعيداً عن الافتراضات المسبقة. كانت البداية بجمع الروايات الشفوية باستخدام أسئلة مفتوحة النهايات وغير موجهة قدر الإمكان، بشكل يحقق هدف الدراسة بمستواه الأول: الحصول على صورة فلسطين المركبة من روايات لاجئين يجمعهم المكان في كل من مخيم اليرموك ومخيم قلنديا، ويختلفون في العمر والجنس والمستوى التعليمي والوظيفي. أيقنت من مراجعتي للأبحاث السابقة أن هذه الاختلافات ستُنتج حتماً روايات مختلفة في الشكل والمضمون، مما سيصعب عملية التحليل والدراسة. لذا كان يجب التأكد من قدرة المقابلة على تحقيق شرطين: أولاً، التوصل إلى تركيب صورة فلسطين بالأبعاد الخمسة التي حددتها اعتماداً على مراجعتي لعدد من الدراسات النظرية والإمبريقية المتعلقة بحالات التهجير القسري عالمياً ومحلياً، ثانياً، جمع روايات تغطي محاور قابلة للمقارنة بما يساعد على اكتشاف آليات بناء الروايات الشفوية من خلال مقارنة نقاط الشبه والاختلاف بين الروايات المختلفة وربطها بصفات المبحوثين وظروف حياتهم وتجاربهم، بما يحقق المستوى الثاني لهدف الدراسة. |
|
|
| وفي بحثي عن صورة فلسطين كمكان في أذهان اللاجئين في المخيمين، فإنني لم أتوقف عند البعد الجغرافي فقط، رغم أهميته في حالة فلسطين التي تتعرض لاحتلال إحلالي يستهدف المكان والمزيد منه، لكنني توجهت للبحث أيضاً عن المعاني والصفات التي يسبغها الفلسطينيون، كفاعلين اجتماعيين، على قضيتهم السياسية. ولم تتطرق الدراسة إلى صورة فلسطين كما يتم إنتاجها في الخطاب أو الخطابات الفلسطينية الرسمية والسياسية، أو تلك التي أبدعها الكتاب والشعراء والرسامون، إلا بما يساعد على فهم تأثير الصورة التي تظهر من الطرفين الأخيرين في تلك التي يقدمها اللاجئون. |
|
|
| استفادت الدراسة أيضاً من استراتيجيات اختيار العينة أو الحالات المبحوثة التي تقترحها النظرية المتجذرةtheoretical sampling. فطريقة الاختيار كانت قصديّة، وذك لضمان توفر عدد معين من الرواة الذين يتباينون في العمر والجنس والمستوى التعليمي والاقتصادي في كلا المخيمين، بما يضمن توفر أسس للمقارنة بينهم خلال تحليل المقابلات (Charmaz, 2006: 101). تم التركيز على الجيلين الثاني والثالث من اللاجئين، أي أولئك المولودين خارج فلسطين المحتلة سنة 1948 أو الذين خرجوا منها أطفالاً -أقل من ست سنوات- إثر تهجير أهلهم، لكن الصدفة أتاحت لي إجراء ثلاث مقابلات مع راويين وراوية أكبر سناً، من مخيم قلنديا، تبلغ أعمارهم اليوم 71، و76، و80 عاماً. وقد حرصت على الإبقاء على لغة المبحوثين كما هي قدر الإمكان لتعكس مضمون وجو الروايات. |
|
|
| لماذا مخيّما اليرموك وقلنديا؟ |
|
| لم يكن اختياري لهذين المخيمين بالذات صدفة. صحيح أن تجربتي الخاصة دفعتني للعودة إلى مخيم اليرموك الذي غادرته قبل عشر سنوات. لكن هناك سبب آخر جعلني أختار مخيم اليرموك كمثال على مخيمات الخارج، ومخيم قلنديا، كمثال على مخيمات الداخل، وهو تحقيق هدف البحث بالتعرف على العوامل التي تؤثر في تشكيل روايات اللاجئين في حالة مستمرة من الاستلاب والاقتلاع، ولذا وجدت أنه من المفيد الاستفادة من البعد المقارن. وحين اخترت مخيماً في سوريا وآخر في الضفة الغربية (فلسطين)، انطلقت من أنهما قد يعكسان حالة التعدد في الخطاب السياسي الرسمي. حيث ما زالت سوريا ترفع شعار القومية العربية (من خلال الخطابات، البرامج التلفزيونية، المناهج المدرسية والجامعية)، وتنظر إلى إسرائيل ككيان غريب يمزق الوطن العربي، وترفض رسمياً الدخول في تسوية مع إسرائيل، وتستمر في توجيه النقد لاتفاق أوسلو وتبعاته، كما ويُسمع هذا الموقف الرافض في خطابات الفصائل والحركات الفلسطينية الموجودة في سوريا. بينما يرتكز الخطاب السياسي الرسمي للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة حول مشروع بناء الدولة الفلسطينية، وهذا لا يمنع وجود خطابات أخرى تطلقها أحزاب أو فعاليات أخرى متواجدة على الساحة، بالإضافة إلى عامل الاحتكاك المباشر مع سلطات الاحتلال الذي يعيشه سكان مخيم قلنديا، والذي بلغ أوجه مع بناء جدار الضم الاستعماري التوسعي وزرع أكبر حاجز عسكري في الضفة الغربية عند مدخل المخيم. وبالرغم من تشابه المخيمين من حيث أسباب النشأة، فمن الواضح للداخل إليهما أن هناك تبايناً في الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ينعكس ظاهرياً في شكل الشوارع والمنازل ومستوى الخدمات والأماكن الترفيهية التي بدأت بالتطور في مخيم اليرموك، حتى أنه لم يعد يتميز عن الأحياء السورية الأخرى المجاورة كثيراً، وقد تحول -على حد تعبير العديد من المبحوثين الذين قابلتهم- إلى ثالث أكبر منطقة تسوق في دمشق بعد سوق الحميدية والصالحية، بينما يبدو مخيم قلنديا أكثر بساطة من ناحية الخدمات والبنية التحتية. تحاول الدراسة التعرف على أثر هذه الاختلافات على صورة فلسطين في روايات اللاجئين في المخيمين ورؤيتهم للمستقبل. |
|
|
| أما السبب الآخر لاختياري لكل من مخيم قلنديا ومخيم اليرموك، فهو التشابه بين المخيمين من ناحية مجاورتهما للمراكز الحضرية وقربهما من مراكز صنع القرار السياسي في المكانين، بشكل يجعل المقارنة أكثر واقعية. فمخيم قلنديا يقع شمال مدينة رام الله، مركز تواجد السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الرسمية، وكذلك حال مخيم اليرموك الموجود جنوب مدينة دمشق، إحدى أقدم المراكز الحضرية في الوطن العربي. |
|
| البحث في معالم صورة فلسطين في روايات اللاجئين |
| في البداية لا بد من تفكيك أجزاء المتغير الرئيسي الذي انطلقت هذه الدراسة للبحث عنه، لكي نتوصل فيما بعد إلى تركيب صورة فلسطين. العنصر الرئيسي هنا هو فلسطين، لذا لا بد في البداية من الإجابة على سؤال: ما هي فلسطين؟ وبالتحديد ماذا تعني فلسطين بالنسبة للمقتلعين منها منذ ستين عاماً؟ |
|
| للإجابة على هذا السؤال، انطلقت من التعريف السوسيولوجي للمكان، وبما أن فلسطين ليست مكاناً عادياً من الناحيتين الجغرافية والسكانية، وذلك نتيجة تعرضها لهجمات استعمارية شوهت المكان والمجتمع المرتبط به، وانتزعت أكثر من ثلثي سكانه وألقت بهم خارج قراهم ومدنهم، لذا فإن التعريف السوسيولوجي للمكان لا يكفي في حالة فلسطين. يحدد Thomas Gieryn في دراسة له بعنوان "A Space for Place in Sociology" ثلاثة ملامح لدراسة المكان سوسيولوجياً، وذلك من خلال مراجعته للأدبيات السوسيولوجية حول المكان منذ السبعينات، أولاً: الموقع الجغرافي: وهو يحدد المكان كبقعة مميزة في الكون، هو الفرق بين الهنا والهناك، وللإمساك بتلابيب مكان معين يجب أن نبحث عن أوجه الشبه والاختلاف بينه وبين الأمكنة الأخرى. ثانياً: الشكل المادي: يوجد للمكان بعدٌ مادّيٌ ملموساً، سواء صنع بفعل الطبيعة أو بيد الإنسان الذي يفعل فعله بعد استحواذه على الأمكنة الطبيعية، فيعيد تشكيلها لتضفي على حياته الاجتماعية معاني جديدة من الثقافة المادية. فالتدخل المادي للإنسان لبناء الأمكنة وإعادة تصميمها واستخدامها لأغراضه الخاصة، يؤثر في الحياة الاجتماعية، وذلك بما يفرزه من مفاهيم السلطة والاختلاف واللامساواة والفعل الجماعي. ثالثاً: الاستثمار في المعنى والقيمة: لا يصبح المكان مكاناً إلا حين يأخذ اسماً وحدوداً وشكلاً معيناً يمثله. وتتشكل الأماكن بفعل مزدوج؛ فهي في الغالب تُبنى وتُنحَت مادياً، لكنها أيضاً تتشكل من خلال عمليات السرد والتفسير والإحساس والانطباعات والفهم والخيال (Soja, 1996: 465). والسؤال الذي يخطر بالبال في هذا السياق هو: هل يحمل المكان نفس المعاني في حالات الاقتلاع والتهجير القسري؟ |
|
| بناء الهويات في حالات الاقتلاع واللجوء |
| من خلال مراجعتي لعدد من الأبحاث التي تهتم بالتهجير القسري، لاحظت أن العديد من الباحثين ينطلقون، في دراستهم للموضوع، من العلاقة التي تربط اللاجئين بالأرض كمكان هُجِّرُوا منه، وذلك في محاولة منهم لفهم تأقلمهم أو عدمه في المكان الجديد، ومحاولة اقتراح بدائل أو حلول. (Brun, 2001; Gupta and Ferguson, 1992). وتصنف Catherine Brun في دراستها الأبحاث التي تهتم باللجوء القسري إلى فئتين؛ تفترض الفئة الأولى وجود علاقة طبيعية بين المكان وساكنيه، وفي هذه الحالة يكتسب الشعب والثقافة صفة المحلية، وينتميان إلى مكان معين تسكنه وحدات متجانسة، وحين يتعرضون للاعتداء، ويتم انتزاعهم من أرضهم، يبدون وكأنهم انتزعوا من ثقافتهم وفقدوا هويّتهم وأصبحوا بلا حول ولا قوة. ويرى منظرو هذه الفئة أن اللاجئين "أشخاصٌ خارج المكان" وغير منتمين للمكان الجديد، ويعتبرون أن وجودهم في المكان الجديد مؤقت. وبرأيهم تتراوح الحلول الممكنة أمام هؤلاء بين إنهاء حالة اللجوء التي يعانون منها من خلال دمجهم بالمجتمع المحلي أو تغيير مكان إقامتهم، أو بإعادتهم إلى بلادهم الأصلية طوعاً أو قسراً. فمن وجهة نظر هذه الفئة، فإنّ اقتلاع الإنسان بمعناه الجغرافي يعني انتزاعه من بيئته الثقافية، ليصبح بلا حول أو قوة ويخسر هويته،.(Brun, 2001:17-18) أما الفئة الثانية، فهي بعكس الأولى لا تنظر إلى العلاقة بين الناس والمكان على أنها علاقة طبيعية، وتركز على تحليل الآليات التي بموجبها يسكن اللاجئون في أماكن معينة، ولكنهم في الوقت ذاته يشكلون جزءاً من جماعات عبر محلية. وينطلق منظرو هذه الفئة من فكرة أن الناس كانوا بلا شك يتنقلون باستمرار، ويتمتعون بهويات أقل ثباتاً من الهويات الجامدة التي تدعيها الدراسات الأنتروبولوجية، ليأتي James Clifford بسؤاله: "إلى ماذا يرمي هؤلاء المنشغلون بالحديث عن ‘الأرض الأصلية‘ في نهاية القرن العشرين؟"، و"ما هي العمليات التي تدخل في التجربة الراهنة لبناء الهوية غير الحديث عن الأصول؟"(Clifford, 1986) . هذه الأسئلة وغيرها حول الهوية الجماعية ليست جديدة، بعد أن ازداد عدد الذين يعيشون في عالم أطلق عليه إدوارد سعيد”a generalized condition of homelessness" ((Said,1979، عالم أصبحت هويات الأشخاص فيه "تتحدد بشكل منفصل عن الأرض الأصلية لهؤلاء الأشخاص، أو لنقل أنها أصبحت تتغير بتغير الأرض التي يقطنها الشخص"(Gupta and Ferguson, 1992: 9). ويرى منظرو هذه الفئة، أنه بالرغم من أن الناس أُجبروا على الرحيل عن أراضيهم، إلا أنهم لم يُقتلعوا من ثقافتهم ولم يفقدوا هويتهم، وليسوا عديمي القوة. فاللاجئون، حسب هذه الفئة، ليسوا ضحايا سلبيين حُكِمَ عليهم بالعيش في ظروف غير طبيعية، لكنهم أعضاء فاعلون يمكن أن يطوّروا استراتيجيات لبقائهم في المكان الجديد. ومن بين هذه الاستراتيجيات، مفهوم الخيال كما طوره Appadurai، والذي يشرح كيف يعيش الكثير من الناس في عالم لم يعد المكان أو الأرض تحدده؛ فحين ينفك الرباط الذي يشد الناس بالأرض والملكية، يؤدي هذا إلى ما يطلق عليه قوة جديدة في الحياة الاجتماعية هي الخيال، فتصبح الفانتازيا ممارسات اجتماعية، ويصبح الخيال في حالة اللجوء ممارسة اجتماعية، وجزءاً من الآلية التي يبني فيها الأشخاص سيرهم الذاتية التي بدورها تتحول جزئياً إلى حيوات متخيّلة "ترتبط بصور، وأفكار، وفرص تأتيهم غالباً من مكان آخر، غير المكان الأصلي، وغالباً ما تنتقل عبر وسائط الإعلام الجماهيري" (Appadurai, 1991: 199). وتأتي باحثة أخرى Liisa Malkki لتتحدث عن "إعادة بناء علاقة مع الأرض حين تخسر جماعة معينة أرضها، لتبني نفسها فيما بعد على أرض جديدة مثل مخيمات اللجوء" (Malkki, 1995). باختصار، تحاول هذه الفئة دراسة الكيفية التي تتوزع فيها العلاقات الإنسانية عبر الحدود والمواقع الجغرافية، بشكل يُظهر انخراط الناس في شبكة معقدة من العلاقات على المستويين العالمي والمحلي معاً. ليتحول المكان هنا إلى بناء ثقافي وليس مجرد وحدة ثابتة؛ "فالمكان ليس موقعاً لإنتاج الأفكار فقط، وإنما لتوليد ممارسات عملية تساهم في تشكيل هويات قاطنيه وتمكنهم من المقاومة"(Brun, 2001: 19) . ولكن أكثر ما يثير الانتباه هنا، هو أنه في الوقت الذي بدأت تضعف فيه أهمية المكان كموقع جغرافي، برزت أفكار جديدة حول أماكن متميزة ثقافياً وعرقياً. وهنا يتبدى بوضوح تأثر هذه الفئة بفكرة بندكت أندرسن عن الجماعات المتخيلة التي ترتبط بأماكن متخيلة، فصارت هذه الجماعات التي أبعدت عن أرضها الأصلية تتجمع حول أوطان وأماكن في الذاكرة والخيال (Anderson, 1983). |
|
|
| في قراءتي للتصنيفين اللذين توردهما Brun لعلاقة اللاجئ بالمكان، أو بالأحرى علاقة هوية اللاجئ بالمكان الذي اقتلع منه، لاحظت أنه لا يوجد فرق بين الفئتين من حيث المنطلق الذي يرتكز عليه كل منهما. فالفئتان تحصران مشكلة التهجير القسري في الجانب الثقافي؛ أي في الأثر الذي تتركه تجربة اللجوء على هوية اللاجئ. كما أنهما تركزان على النتيجة وليس على السبب؛ ففي الحالة الأولى التي تعتبر العلاقة بين اللاجئ والمكان علاقة طبيعية، يحاول المنظرون تحديد حل لإعادة الوضع إلى طبيعته كي لا يفقد اللاجئ هويته، وفي الحالة الثانية التي تعتبر أن هوية الإنسان ليست إطاراً جامداً، لذلك لا ترتبط بالضرورة بالأرض الأصلية التي اقتُلع منها الإنسان، فهي ترى أنه بإمكان الإنسان، وبالتالي الجماعات، تشكيل هويات جديدة تمكنهم من مقاومة ضياع الهوية الأصلية وبناء الوطن في الخيال. وبهذا تنغمس الفئتان في البحث عن حلول لمشكلة ضياع الهوية، بينما تهملان المشكلة الأساسية وهي الاضطهاد والاستغلال الذي توقعه فئة بأخرى، على سبيل المثال، مستعمِر بمستعمَر، والتي أدت بالنتيجة إلى اللجوء والتهجير القسري. فيبدو للوهلة الأولى كأن الاستعمار داء موجود في الطبيعة، ولا يمكن إيقافه حين يصيب الشعوب بمرض التهجير القسري ويحولها إلى جماعات لاجئة، وبالتالي يكون من الطبيعي أن ينصب تركيز الدارسين على الإجراءات العلاجية التي يمكن أن تزيل الاغتراب، أو تخفف من ضياع الهوية لدى المهَجّرين. |
|
|
| ومع أنني أتفق مع الفئتين حول أهمية الدور الذي تلعبه الهوية التي تنمو لدى اللاجئ كفرد أو كجماعة في حالة الاقتلاع، إلا أنني أختلف معهم حول لحظة البدء، فلحظة البدء ليست الضياع الهويّاتي للمهجر/اللاجئ، والذي يجب معالجته أو مساعدته بالتكيف مع الواقع الجديد أو بخلق وطن متخيل. إن لحظة البدء هي ظروف الاضطهاد أو الاستعمار الذي أدى إلى التهجير القسري. من هنا يمكن البدء بالتفكير بهوية ترفضه وتقاومه. ومن هنا فإن التعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين كقضية ثقافية فقط بمعزل عن الشرط الاستعماري المادي الذي أنتجها، يؤدي إلى قراءة مبتورة للواقع الذي هو في جوهره علاقة تقوم على استغلال واضطهاد طرف قوي لطرف ضعيف وما ينتج عنها من نفي الطرف الأول للثاني بإبادته أو طرده ليحل محله. فعلى سبيل المثال، يمكن توظيف فكرة الجماعات المتخيلة لخلق شرط يواجه الشرط الاستعماري بالبحث عن "إمكانية تكوين قومية متخيلة أو سرديّات وطنية لدى جماعة معينة من خلال فعل القراءة، قراءة الروايات الأدبية والصحافة كأسلوب جديد للربط بين الأخوة والقوة والزمن" (أندرسن، 1999: 38). لكن هل يُعتبر فعل القراءة وحده كافياً لمحو آثار اللجوء ونتائج الاضطهاد الأخرى التي يعيشها اللاجئون؟ من الملاحظ أن أندرسن، خلال استعراضه لنشوء القومية في بعض المستعمرات الآسيوية، يعطي دوراً كبيراً للغة والمنتجات الثقافية في المجتمعات، فيقول: |
|
| "هناك نوع خاص من الجماعية المتزامنة توجدها اللغة وحدها في شكل شعر وأغان قبل كل شيء. خذ، على سبيل المثال، الأناشيد القومية التي تُغنَى في الإجازات القومية؛ فمهما كانت الكلمات قديمة مستهلكة والنغمات هابطة المستوى، فإن هناك معايشة للتزامن في هذا الغناء. ففي هذه الدقائق بالتحديد يغني أناس لا يعرفون بعضهم بتاتاً نفس الأشعار بنفس اللحن، فالصورة إذاً صورة توحد" (أندرسن، 1999: 148). |
|
| لكن بقياس ما أورده أندرسن على الحالة الفلسطينية كما تظهر في عدد من الأبحاث الإمبريقية التي أجريت على التجمعات الفلسطينية اللاجئة، يظهر أن دور فعل القراءة في تكوين الذاكرة الوطنية ينحسر أمام دور التجربة الذاتية والجماعية للحياة في البلاد والتهجير واللجوء والأحداث السياسية المتلاحقة، والتي تتدخل جميعها لتؤثر في قراءة الفلسطيني للحدث، وبالتالي في روايته له، حسب الجيل الذي ينتمي إليه ومستواه التعليمي والجنس والطبقة وتجاربه الحياتية. فهذه كلها ستؤثر على طريقة رؤيته للأحداث التي تبثها المؤثرات المختلفة (إعلام أو كتب). |
|
| وقد يكون للتشتّت الفلسطيني، الذي بدأ مكانيّاً وصار سياسيّاً فيما بعد ليبلغ أقصاه بعد أوسلو، دورٌ في هذا في فترة من الفترات، إضافة إلى محدودية تأثير السلطة الوطنية الفلسطينية في إنتاج وإعادة إنتاج عوامل موحدة تجتمع حولها مصالح الفلسطينيين جميعاً. والحالة التي يقدمها هذا البحث هي نموذج لما يعنيه هذا التشتت، فعلى الرغم من أن الدراسة تُعنى بمجتمعين فلسطينيين يجمعهما التهجير القسري نتيجة مشروع استعماري غربي أدى إلى تشتتهم في أماكن مختلفة، إلا أنه لا توجد على الرغم من ذلك لغة واحدة (على حد قول أندرسن) حول رواية تشتتهم. هل تبدأ الرواية بقصة استعمار الوطن واقتلاع الشعب؟ أم تبدأ بالرواية الرسمية المسموح بها للفلسطيني اليوم؛ قصة الدولة الفلسطينية على أي جزء يتم تحريره؟ هنا أود أن أعطي مثالاً على التشتت اللغوي وغياب "الجماعية المتزامنة" التي يتحدث عنها أندرسن في الاقتباس الذي أوردته أعلاه، وبالصدفة أن موضوع الحديث هو النشيد الوطني أيضاً. فإحدى الاكتشافات الطريفة التي وجدتها أثناء حديثي مع اللاجئين هنا وهناك، هو وجود نشيدين وطنيين فلسطينيين. فالمفروض أن النشيد الوطني هو إحدى الآليات الرمزية الموحدة للشعب في "الأمم الحديثة"، لكن في حالة مخيمي اليرموك وقلنديا يُجمع أهالي كل مخيم على نشيد مختلف. يشير أهالي مخيم اليرموك إلى نشيد "موطني" على أساس أنه النشيد الوطني الفلسطيني، بينما النشيد الوطني الفلسطيني في فلسطين هو "فدائي". وبينما لم يُشر أحد من الرواة في مخيم قلنديا إلى النشيد الوطني أثناء سرده لرواية فلسطين، ذكره عدد من رواة مخيم اليرموك في رواياتهم، فكما يبدو يلعب النشيد دوراً رمزياً أكبر في التعبير عن الحس الوطني عند غياب وسائل أخرى: |
|
| "وكثير كنا بالمدرسة متحمسين ونطلع مظاهرات وإضرابات. وبتذكر مرة ما قبلنا نفوت على الصفوف إلا لنقول النشيد الوطني الفلسطيني " موطني، موطني". هذا كان بعد المفاوضات، إحنا بمدارس الوكالة بنغني النشيدين السوري: حماة الديار، والفلسطيني: موطني. (س: هل موطني هو النشيد الفلسطيني؟) إيه إحنا هيك بنعرف، إنه النشيد الوطني الفلسطيني هو موطني، وابني، كان عندهم حفلة في مدرسة ترشيحا قبل فترة، وحطوا النشيد الوطني الفلسطيني نفسه؛ موطني." |
|
|
| من خلال استعراضي لما وقع بين يدي من أبحاث، وجدت أن صورة فلسطين من حيث علاقة الفلسطيني اللاجئ بها كمكان يمكن أن تنقسم إلى فئتين: الفئة الأولى، تركز على فلسطين كوطن مفقود، فتعتمد الاقتلاع الاستعماري كحدث مؤثر وكمرتكز للذاكرة الجماعية. أما الفئة الثانية، فهي تبدو متأثرة بالفكرة التي وردت لدى الفئة الثانية من منظري التهجير القسري، والتي لا تعتبر أن هوية اللاجئ تتحقق فقط في المكان الأصلي الذي اقتلع منه، وإنما تنطلق من قدرة اللاجئ على خلق وطن جديد بالخيال أو بالكلام، فتنطلق دراسات هذه الفئة من اللجوء وتتمحور حوله، لتبتعد عن تحليل الشرط الاستعماري باتجاه تحليل التحولات في روايات اللاجئين وهوياتهم. |
|
|
|
| بمقارنة سريعة ما بين الفئتين الأولى والثانية من الأبحاث في سرديات اللاجئين، نلاحظ أن الفئة الأولى بانطلاقها من لحظة النكبة والاقتلاع، تبدو سردياتها عن الوطن أقرب إلى محاولة لتوثيق التاريخ الاجتماعي لفلسطين من قبل الأشخاص الذين عايشوه. لذا صُنِّفَت في الغالب ضمن مشروع بناء الذاكرة الجماعية للفلسطينيين، والتي كانت أساساً للرواية الوطنية الرسمية لمنظمة التحرير في فترة الثورة، وبخاصة تلك التي تركز على جمع الروايات الشفوية من الجيل الأول عن الحياة في فلسطين قبل النكبة، وعن التهجير واللجوء. بينما تتخذ صورة فلسطين "الوطن" لدى الفئة الثانية معاني جديدة متغيرة، ترتبط بهوية اللاجئين المتغيرة بتغير ظروفهم الحياتية المادية، فتقترب أو تبتعد عن الرواية الوطنية الرسمية حسب ظروف اللجوء، لتتعزّز الهوية الوطنية في فترات النضال والمقاومة، وتضعف في حالات الحرمان وانعدام الأمن السياسي في المخيم، ولتُستَبدل بهوية قلقة تبحث عن المواطنة والانتماء والاستقرار في أي مكان. |
|
| يمكن تلخيص المعاني التي يعطيها اللاجئون الفلسطينيون لفلسطين في سردياتهم من خلال تجربَتَي الاقتلاع من فلسطين والبحث عن الهوية في مخيمات اللجوء. فالعنصر الرئيس هنا هو تجريد الإنسان الفلسطيني من كل شيء: الملكية والانتماء والماضي؛ أي تجريده من وسائل إعادة إنتاج وجوده الطبيعي، بتحويله إلى لاجئ يعيش حالة من الضياع، أو اللامعيارية، نتيجة الاغتراب عن شروط وجوده. ولكنه يحاول خلق شروط وجوده خارج الحاضر البائس، فيلجأ أحياناً إلى النضال مدفوعاً باستعادة حقه في الوطن المسلوب، أو ينطلق للبحث عن مستقبل يحقق له ما يفتقده في الحاضر من حقوق المواطنة والأمن. |
|
|
| محددات صورة فلسطين في الدراسة الحالية |
| تنطلق هذه الدراسة من الشرط الاستعماري الذي يعيشه الفلسطينيون بشكل عام، والذي كانت إحدى نتائجه اقتلاع الشعب الفلسطيني (أفراداً وجماعات) من مكانه السوسيولوجي، ورميه في مخيمات اللجوء. وبالنتيجة، تتحدد صورة فلسطين التي ستبحث عنها الروايات في هذه الدراسة بالأبعاد الخمسة التالية: |
|
|
| 1. الموقع الجغرافي: فكما بيّنا سابقاً، تنطوي عملية الاقتلاع على الحرمان من الأرض بمعناها الفيزيائي المادي، وهذا ما يظهر في إصرار اللاجئين على مقارنة "الهنا" ب"الهناك"؛ بؤس المخيم بجمال البلاد. وقد يفسر هذا إصرار اللاجئين على أن الماضي كان أجمل. ستحاول الدراسة الحالية التعرف على تأثير الموقع الجغرافي في روايات المخيمين. هل يلعب البعد الجغرافي المكاني، أي مكان وجود اللاجئ، سواء كان خارج حدود أرض فلسطين الانتدابية أو داخلها، دوراً في تحديد صورة فلسطين؟ أم أن وجود اللاجئين في الحالتين في مخيم اللجوء يشكل نفس الصورة لفلسطين في خيالهم؟ |
|
| 2. الشكل المادي: ويرتبط في الحالة المدروسة بالمخيم. كيف تظهر صورة فلسطين في فضاء المخيم؟ وما الأثر الذي تتركه حياة اللجوء والعلاقة مع المجتمع المضيف على صورة فلسطين في ذهن اللاجئ؟ |
|
| 3. الاستثمار في المعنى والقيمة: في الحالة الطبيعية، يتم إضفاء القيمة والمعنى للوطن من قبل هيئة رسمية (في الغالب مؤسسات الدولة)، التي تتبنى تشكيل الذاكرة الجماعية بما يتناسب مع الحفاظ على مصالح الفئة المسيطرة في الدولة، ولكن في حالة اللاجئين في المخيمات الذين تعرضوا لاستعمار اقتلاعي، لم يحرمهم من المكان كموقع جغرافي فقط، وإنما حرمهم من الشروط الطبيعية لإعادة إنتاج أنفسهم كجماعة، كان على الفلسطينيين أن يبدأوا في خلق وجودهم كجماعة في مكان لجوئهم. وهنا لجأوا، كما تبين من الدراسات السابقة، إلى إعادة خلق الوطن المسلوب بواسطة الذاكرة ونقله للأجيال الجديدة. ففي حالة تغييب الوطن كمكان يتشارك فيه الفلسطينيون تجارب الحياة بما يضفي قيماً ومعاني مشتركة على هويّتهم الجماعية، شكلت التجربة المشتركة للاقتلاع والتشريد والمعاناة والنضال في المخيم مرتكزاً لهوية جماعية شعبية، تبلورت وتطورت إلى هوية وطنية غذتها مؤسسات عديدة كمنظمة التحرير الفلسطينية والفصائل المختلفة، والتي كانت مؤسساتها في السابق تنشط في المخيمات سراً أو علناً، وفقاً لما تسمح به السلطات المسيطرة لتعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية المبنية على مشروع التحرير والعودة. لكن شهد هذا المشروع انقلاباً مع دخول الجانب الرسمي في مشروع التسوية، ليتبنى الخطاب الرسمي مشروع دولة فلسطينية على جزء من فلسطين، ويتحول اللاجئون إلى موضوع مؤجل. فكيف يؤثر هذا التحول على المعاني التي يعطيها اللاجئون لفلسطين في رواياتهم؟ وما هو الموقع الذي يحتله الفرد في الرواية؟ هل يختار دور الفاعل الذي يساهم في صنع سرديته للوطن؟ أم يقتصر دوره على أخذ موقف من السردية الجماعية بالرفض أو القبول؟ |
|
| 4. البعد الآخر الذي ستهتم به هذه الدراسة، والذي يغيب في تعريف Gierynللمكان السوسيولوجي، هو البعد الزماني التاريخي. يكتسب الزمن أهمية خاصة في تحديد المكان السوسيولوجي في حالة الاقتلاع، ومن بين الطروحات السائدة في الدراسات السوسيولوجية التي تعنى بدراسة المكان: "أن البشر لا يعرفون من هم حقاً إلا إذا كان بإمكانهم تقصي جذورهم لتحديد المكان الذي ينتمون إليه، كما أن أي مكان لا تظهر في صروحه آثار الأزمنة التي تعاقبت عليه، يُعتبر مكاناً فاقداً لأية شخصية" (Tuan, 1980: 6). ويظهر هذا بوضوح في روايات اللاجئين في دراسات التاريخ الشفوي، وتلك المتعلقة بالتحولات في الهوية في مخيمات اللجوء؛ فالروايات التي يسردها لاجئون من أجيال مختلفة عن فترة الحياة في المخيمات ما بعد النكبة هي روايات عميقة الجذور في التاريخ، وتحتل الأحداث التاريخية والسياسية التي عاصرها اللاجئون حيزاً كبيراً من رواياتهم كما يظهر في دراسات روز ماري صايغ (1980، 1998) وبيتيت (2005) ويحيى (2006، 2008). |
|
| 5. والبعد الأهم هنا هو دور الفلسطيني بشكل عام، واللاجئ في هذه الدراسة بالتحديد، كفاعل في صناعة التاريخ من خلال سرده لروايته لفلسطين والمسيرة الوطنية الفلسطينية: إن حدث الاقتلاع موجه بشكل رئيسي إلى الإنسان كنفي لوجوده على أرضه، بما يحمله هذا الوجود من معان مادية ورمزية وتهديد لانتمائه لمجتمعه. وهنا يبرز دور الفعالية وقوة الفاعل الاجتماعي، من خلال رفض اللاجئ ومقاومته للتغييب المفروض عليه من قبل القوى المسيطرة، وذلك بالإصرار على إعادة إنتاج نفسه فلسطينياً من خلال بناء الذاكرة والرواية، التي كما تقول لينا جيوسي: "توثق لتعاقب الزمن على القضية، وتقدم أكثر من مجرد رؤية للمستقبل، فهي تقدم مشروعاً للمستقبل" (Jayyusi, 2007: 130). |
|
| مقاربات مفاهيمية ونظرية تفيد القراءة التحليلية للروايات |
| بالعودة إلى المنظرين السوسيولوجيّين، تظهر فكرة دوركهايم بأن كل مجتمع يحتاج إلى أن يشعر باستمرارية الماضي وبأن هذا الماضي هو الذي يمنح الأفراد والجماعات هويتهم، هذه الفكرة تسمح لنا برؤية الذاكرة الجماعية كإحدى الأشكال المهمة للحياة الاجتماعية (Misztal, 2003). وقد تبلورت الفكرة من اهتمام دوركهايم بالماضي كحقيقة اجتماعية. "فحين نتذكر، لا نتذكر كأفراد بل كأعضاء في مجموعات محلية أو قومية. يتحدد ما نتذكره من ماضينا بما يخبرنا به آباؤنا وأجدادنا، بمعنى آخر أكثر عمقاً، فإننا نعرف أنفسنا من خلال الذكريات الباقية من المجموعات التي ننتمي إليها. وعندما تتزامن الحدود الجماعية مع الذكريات المشتركة، فإننا نشعر بالفخر أو بالخجل من الأحداث الماضية التي قد تكون وقعت قبل أن نولد (Schwartz, 1996: 278). ويضيف Halbwachs، تلميذ دركهايم، في السياق نفسه: "قد يقول أحدهم بأن الفرد يتذكر من خلال موضعة ذاته ضمن منظور الجماعة التي ينتمي إليها، ولكن في نفس الوقت، يمكن أن يُقال بأن ذاكرة الجماعة تتحقق وتبرز أيضاً من خلال ذاكرة الفرد" (Halbwachs, 1992: 40). فعلى عكس التصورات العلمية السائدة في عصره، والتي كانت تنظر إلى الذاكرة وعملية التذكر الفردية كوظيفة بيولوجية محضة، ربط هولبواكس في دراساته حول الذاكرة، الذكريات الشخصية للفرد بالمجتمع الذي ينتمي إليه، واعتبر أن الإطار الاجتماعي ـ والذي تُنشئه ثقافة مجتمع ماـ يسهر على وضع نسق جمعي يجعل الخبرات الفردية قابلة للتذكر وللتأويل. وهنا أيضا تتجلى بوضوح وظيفة الذاكرة الجماعية في علاقتها مع المجتمع وهي تأسيس هوية المجتمع وضمان سيرورتها. وبهذا يُحَمّل هولبواكس الذاكرة وظيفة اجتماعية فيقول: "إذا كنا نقوم مراراً باستحضار صور أحداث معينة في الذاكرة، فهذا يعود إلى أن المجتمع يمتلك في كل لحظة الوسائل اللازمة لاستحضار هذه الصور" (Halbwachs 1992, 183). ففي كتابه "الذاكرة الجماعية" On Collective Memory، قدّم هولبواكس تصوراً جديداً للكيفية التي يبني عبرها الأفراد روايتهم للماضي، منطلقاً من أن الأفكار والاهتمامات والطموحات التي يحملها الأفراد في الحاضر تؤثر في تشكيلهم لرؤى مختلفة للماضي. فالذاكرة الجماعية بالنسبة لهولبواكس هي بالأساس إعادة بناء للماضي في ضوء الحاضر، ومداخلته التي استند عليها الباحثون هي وجود إطار اجتماعي للذاكرة: "المجتمع هو في العادة المحيط الذي يكتسب الأفراد ذكرياتهم عبره، كما أن عمليات استعادة الذكريات وإعادة ترتيبها وتأويلها تتم في المجتمع أيضاً". في مقارنته الذاكرة بالتاريخ، يجادل هولبواكس أنه بينما توجد طبعة واحدة فقط للتاريخ، توجد ذاكرات جماعية عديدة (Halbwachs 1992, p38). يبدو هنا وكأن هولبواكس يصف التاريخ بالموضوعية مع أنه هو أيضاً مرهون بذاكرة من يقوم بتسجيله. ويأتي Pierre Nora، منظر فرنسي آخر، بمقارنة مختلفة قليلاً بين التاريخ والذاكرة، فهو يقارن بين التاريخ المصطنع، كما يسميه، والذاكرة الحقيقية ليجادل بأن الذاكرة بطبيعتها حية، بينما التاريخ لا يخضع فقط للبناء وإنما لإعادة البناء. وخلال دراسته للهوية الجماعية الفرنسية، يقترح نورا، مفهوم "أماكن الذاكرة" والتي تشير إلى أيّ "كينونة أو وجود مميز، بغض النظر إن كان مادياً أو رمزياً، والذي ساهم التدخل البشري أو مرور الزمن في تحويله إلى أحد الرموز التي تشكل الذاكرة التراثية لأي مجتمع" (Nora, 1996: xvii). فحسب بيير نورا، فإن المجتمع العصري يشهد انتقالية ذات وتيرة متسارعة، بدأت فيها معظم، إن لم نقل كل أشكال الارتباط بالماضي والمُؤسسة في آن واحد للهوية الجمعية في الاضمحلال التدريجي لتحل محلها أماكن الذاكرة، مما يجعل من "أماكن الذاكرة" البديل الحسي و"الاصطناعي" لذاكرة جمعية فرنسية لم تعد موجودة الآن. ويعزي نورا تكثف الذاكرة بشكل مستمر في أحاديثنا اليومية إلى غيابها المادي عن حياتنا بعد أن تمّ تذويب الذاكرة في السرديات الكبرى للتاريخ. وكما جاءت السرديات الرسمية للتاريخ لتحل محل التقاليد والأعراف والخبرة المعاشة للأحداث، جاءت أماكن الذاكرة لتتكثف ذكريات أحداث مضت حول النصب التذكارية والأعمال الفنية والكتب التاريخية وأيام الذكرى السنوية فتحل محل العوالم الحقيقية التي عايش فيها الناس الأحداث الماضية. فتشعر، حسب تعبير نورا، وكأن "أماكن الذاكرة" جاءت لتقول باستحالة وجود الذاكرة بشكلها الطبيعي والعفوي (Schwartz, 1998: 66). |
|
|
|
|
| وَصفُ نورا للطريقة التي تم بها ترسيم (من رسمي/ عكس شعبي) الذاكرة الجماعية الفرنسية لتتجمع مشاعر الحنين (Nostalgia) والحزن والافتخار حول "أماكن الذاكرة"، يثير التساؤل حول الشكل الرسمي الذي تطورت به الذاكرة في الحالة الفلسطينية مع أخذ خصوصية الحالة بعين الاعتبار: فهل تحولت التجارب المُعاشة للاستلاب والاقتلاع التي مازال الشعب يعيش آثارها إلى اليوم إلى مجرد أماكن للذاكرة في السردية الرسمية الفلسطينية؟ وأين "النكبة" و"المخيم"، على سبيل المثال من أماكن الذاكرة التي يصفها نورا؟ "ففي حين كانت القيادة الفلسطينية ترى في المخيم، في فترة الثورة، مخزناً للفدائيين والشهداء والأمهات اللواتي يُنتجن شباباً تستهلكهم دروب العودة إلى الوطن، يبدو أنها أعادته إلى السبات اليوم" (دراج، 1996: 17). وقد يكون هذا أحد العوامل التي أدت إلى تعميق مشاعر الاغتراب لدى اللاجئ، الأمر الذي يظهر بجلاء في روايات اللاجئين الذين قابلتهم وينعكس من خلال ردود فعل مختلفة لديهم كما يتضح في تحليلي لروايات اللاجئين عن المخيم في الأنماط المختلفة. |
|
| واستكمالاً لآليات بناء الذاكرة التي يسعى هذا البحث إلى فهمها، يحاول هولبواكس تفسير الكيفية التي تتموضع بها الذكريات القديمة في الحاضر، فيطور مفهوم "الذاكرات الكلية المشتركة" التي تنشأ ضمن مجموعات صغيرة وأكثر قدرة على الاستمرار، كالعائلة على سبيل المثال. في هذه الحالة نقوم باستعادة الذاكرة بصيغتها الشمولية من خلال تبني التوجه أو الاعتقاد الذي يشترك أفراد المجموعة بتبنيه. وبرأي هولبواكس، أنه والحالة هكذا ليس هناك ما يستدعي منا التطرق إلى الترابط بين الذكريات بتأثير التشابه، فمن المؤكد أن ذكريات العائلة تبدو متشابهة لأنها متعلقة جميعها بنفس العائلة، إلا أنها تختلف أيضاً بناءً على علاقات أخرى كثيرة. وهنا يشرح هولبواكس أين يبتعد موقفه من نظريات علماء النفس التي تتعامل مع الذاكرة على مستوى الأفراد. فبرأيه: "من أجل فهم الذاكرة التي تشغل أفكار الفرد، يجب أن نقوم بموضعتها في السياق العام لأفكار الجماعة التي ينتمي إليها" (Halbwachs, 1992: pp.52-53). يوسع هولبواكس فكرته عن "الإطار الجماعي لبناء الذاكرة" حين يشير إلى أن هذا التأثير من قبل الجماعة على ذاكرة الفرد ليس خطياً نظراً إلى أن الفرد في المجتمع الحديث ينتقل من مجموعة إلى أخرى، ففي حديثه عن العمال يذكر "أن العمال في انتقالهم من محيط مجموعة معينة (العائلة مثلاً) إلى مجموعة أخرى (المصنع أو مكان العمل) فإنهم بلا شك سيحملون معهم إلى المجموعة الجديدة أفكاراً تبنوها من انتمائهم للمجموعة الأولى، والعكس صحيح" (Halbwachs, 1992: p.141). |
|
| حاولت مقاربة تفسير هولبواكس على السياق الفلسطيني الحالي؛ لكن الأمر لا يبدو بهذا الوضوح، فمن الصعب موضعة أفكار الفرد ضمن جماعة محددة، خاصةً في وقت اتسع فيه انتشار المؤثرات الإعلامية والفكرية، لتتجاذب الفرد منا قوى عديدة فاعلة في الداخل والخارج، بعضها ملموس (ضمن المحيط المادي الذي يعيشه الفرد)، والكثير منها يأتيه من خلال عوالم تُوصف بالافتراضية (جماعات الاهتمام المشترك على الانترنت والفضائيات). ما أود قوله هنا، باختصار، هو أن وجود كل هذه العوامل يجعل تحديد الإطار الاجتماعي الذي ينتمي إليه الفرد من الصعوبة بمكان. حتى وإن كان الحيز المكاني، كالمخيم، الذي يقطن فيه المبحوثون حيزاً محصوراً، ويمكن تخطيط حدوده الفيزيائية بوضوح، إلا أن التحديد المكاني وحده غير كافٍ. فهناك العديد من المؤثرات التي تلعب دوراً في تشكيل الفضاء العام والخاص للأفراد الذين يسكنون المخيم. والعامل الآخر المهم والذي لم يأخذه هولبواكس بعين الاعتبار هو الدور الذي تلعبه الشروط المادية التي تسمح للفرد والمجموعات بالوجود وإعادة إنتاج وجودهم، فهذه بلا شك ستلعب دوراً في بناء وتحديد الإطار الجماعي الذي ينتمي إليه الفرد مدفوعاً بدرجات مختلفة بين الرغبة الفردية أو الإكراه بسبب تبعيته لعائلته أو مشغله فحينها قد يضطر إلى تشكيل ذاكرته لتتناسب وفكر أو أيديولوجيا الجماعة التي تتحكم بمصدر رزقه حتى لو لم يكن مقتنعاً بهذا الفكر في قرارة نفسه، ليدخل الفرد في حلقة أخرى من الاغتراب. |
|
| وإذا نظرنا إلى الذاكرة الجماعية من ناحية الوظيفة التي تقوم بها، فهي تعتبر أحد الأسس المهمة لبناء الشعور القومي والهوية القومية، فالذاكرة الجماعية "ليست شيئاً خامداً سلبياً، وإنما هي مجال فعالية يتم في إطاره انتقاء أحداث الماضي وإعادة بنائها وصونها وتحويرها ومهرها بالدلالات السياسية" (سعيد، 2002: 101). وقد تساعد دراسات هولبواكس ونورا التي استعرضتها هنا في فهم عملية بناء الذاكرة الجماعية للأحداث الماضية وعمليات إعادة بنائها بما يلائم حاجاتنا الحاضرة، "لتتحول الذاكرة إلى رموز مادية ظاهرة تستبدل المعاني الضمنية التي تحملها الأحداث في حياة من عايشوها" (Olick and Joyce Robbins, 1998: 121)، بما أن الذاكرة هي إحدى المكونات الرئيسية التي تُبنى عليها الروايات التي تهتم بها هذه الدراسة. إلا أن تحليلات هولبواكس ونورا _التي تستند إليها الكثير من الدراسات الحديثة عن الذاكرة الجماعية، فتحلل دور النسق الجمعي والمؤسسات الاجتماعية والرسمية في بناء ذاكرة الأمم وسردياتها _ لا تقدم مفاتيح جاهزة لتفسير عملية بناء الذاكرة والسرديات الوطنية في جميع الحالات. خاصة في حالة الاقتلاع من المكان: "فهدم المكان وضياعه، لا بد أن يترك آثاراً هدامة على التاريخ وعلى الذاكرة والهوية بصيغتيهما الفردية والجماعية" (Fullilove as quoted in Gieryn, 2000: 482). مما يؤسس لدور أكبر لعملية المخيال الاجتماعي، التي تنعكس في السرديات الشعبية للشعوب المضطهدة، والتي تتحكم في إنتاجها للقوى وللإيديولوجيات المسيطرة، كما ورد في وصف إحدى الباحثات في الحالة الأرمنية، فهنا وإن غاب الشكل الحداثي للدولة، إلا أن هذه الشعوب تلجأ إلى أشكال أخرى من عمليات الهندسة الاجتماعية من خلال مبادرات تعليمية تقوم بها مراكز بحثية ومنظمات سياسية في محاولة نشطة لإعادة إنتاج "الأمة المسموح بوجودها" (Barseghyan, 2004: 13). ويمكن أن أستعير هنا تعبير الباحثة للحديث عن "الوجود الفلسطيني المسموح به". |
|
|
| في محاولة لمقاربة أفكار نورا وهولبواكس على الحالة الفلسطينية المدروسة هنا، لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار غياب دور الدولة في خلق ذاكرة جماعية عن المكان وتاريخه في الوقت الذي يخضع فيه الوجود الفلسطيني المشتت جغرافياً لشرط استعماري ينفي جزءا من الأرض والسكان ويطبق سيطرته العسكرية على الجزء الباقي. بينما السلطة الحاكمة الفلسطينية محكومة باتفاقيات لا تحقق لها أية سيادة على التجمعات الفلسطينية المشتتة، إضافةً إلى أن استمرار وجودها مرهون بالالتزام بأيديولوجيا التسوية التي تعني هدم الرموز الجماعية التي كانت تؤسس للهوية الوطنية الفلسطينية والذاكرة الجماعية: نكبة العام 1948، واللجوء، والعودة، والبلاد كما أشرت في مقدمة هذه الدراسة (كناعنة، 2000؛ دراج، 2008). لكن هل يؤدي غياب قيادة تُعنى بالذاكرة الجماعية بالضرورة إلى تغييب الذاكرة لدى الفلسطينيين أفراداً ومجموعات؟ |
|
| هذا ما حاولت التعرف إليه من خلال جمعي للروايات الشفوية من لاجئين يعيشون في مخيمين مختلفين. فالمخيمات كانت جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للنكبة، حيث يلجأ اللاجئون المنفيون عن أرضهم إلى أساليب مختلفة لإعادة خلق وطن يشكل امتداداً لجذورهم في الماضي ويحقق طموحاتهم المستقبلية. وذلك من خلال محاولة إعادة خلق الروابط الاجتماعية التي كانت سائدة في فلسطين قبل الهجرة، وإعادة خلق خارطة الوطن بأسماء القرى الفلسطينية في المخيمات والتمسك بالرموز التراثية التي تعزز الانتماءات الوطنية للاجئين وتفرض إحساسا بالأصالة والثقافة الموحدة التي تهدف إلى ربط الماضي الضائع بالطموحات المستقبلية. هذا ما وصفته الباحثة الألمانية Klaus: بقولها: "لا يوجد محيط اجتماعي يعزز بناء الذاكرة بشكل أصيل وحيوي أكثر من المحيط الذي يعيشه اللاجئون في مخيم اللجوء. فالمخيمات، وعلى الرغم من ظروف العوز والفقر التي يعيشها قاطنوها، أو ربّما بسبب هذه الظروف، شكلت ومازالت تشكل منبعاً لإحياء الروح الوطنية الفلسطينية" (Klaus, 2003: 129). لكن المخيم، في نفس الوقت، من خبرتي السابقة في العيش فيه، وكما يظهر في الأبحاث السابقة التي استعرضتها في المراجعة الأدبية وكذلك في روايات اللاجئين الذين قابلتهم هو فضاء مكاني يشكل حالة تهميش واغتراب لقاطنيه عن محيطهم، مما يعزز الحاجة إلى إعادة بناء الوطن السليب في الخيال. |
|
| وهذا يتوافق مع ما توصلت إليه الباحثة ليزا مالكي، المتخصصة بأبحاث اللاجئين بأن الأرض أو الوطن، في حالة اللجوء/النفي، يميل إلى أن يكون أقرب إلى الميتافيزيقي والرمزي منه إلى الحقيقي. وأن العلاقة بين مفاهيم الأرض، والنفي أو اللجوء والمقاومة هي علاقة معقدة. فاللاجئون في مخيمات اللجوء يعيدون خلق صورة لوطنهم ليساعدهم ارتباطهم بهذه الصورة الذهنية في إعادة موضعة أنفسهم في المكان والزمان الجديدين (Malkki, 1992: 35). |
|
| والجماعات أساساً، كما يقول أبادوري ليست كيانات ثابتة، لهذا فإن عملية بنائها وإعادة بنائها في صيرورة مستمرة. وليس من السهل دراسة الجماعات، خاصةً تلك التي لا تتأطر في مكان محدد حتى ولو كانت مازالت تُعرف كجماعة واحدة نظراً لأصول وتنظيم الأفراد الذين يشكلون هذه الجماعة (Appadurai 1993: 26-30). ويضيف أبادوري: "إن العالم المعاصر يتميز بوجود دور جديد كلياً يؤديه المخيال في الحياة الاجتماعية. فالجديد في العمليات الثقافية العالمية هو المخيال باعتباره ممارسة اجتماعية، وباعتباره مجالاً منظماً للممارسات الاجتماعية، "شكلاً للعمل" وشكلاً من أشكال التفاوض بين مواقع القوة (الأفراد) والمجالات المحددة عالمياً للإمكان (الواقعة تحت تأثير القوى العالمية). وكان للوساطة الالكترونية والهجرة الجماعية أهمية بارزة في عمل المخيال باعتباره مقوماً أساسياً من مقومات الذات المعاصرة للأشخاص العاديين. حيث توفر وسائل الإعلام مصادر جديدة وفروعاً معرفية جديدة لتركيب ذوات متخيلة وعوالم متخيلة" (تراكي، 2008: 16). |
|
|
| ويرتبط مفهوم المخيال أو الخيال أكثر بمبحث علم النفس، حيث يشير فرويد في كتابه "مدخل إلى التحليل النفسي" إلى المتخيلة باعتبارها القيمة العقلية الوحيدة التي لا تزال إلى حد بعيد، حرة تلقاء مبدأ الواقع. وتلعب المتخيلة دوراً هاماً إلى أقصى حد في البنية العقلية. فهي تربط أعمق طبقات اللاشعور بأعلى نتاجات الشعور (بالفن)، الحلم بالواقع. ويلح كارل يونغ في كتابيه "نماذج نفسية" (1950) و"سيكولوجية اللاشعور" (1954) على القيمة الإدراكية للخيال بقوة أكبر مما يفعل فرويد: "فهو يرى أن التخيل يتحد مع جميع الوظائف العقلية الأخرى. "فالتخيل هو قبل كل شيء الفعالية المبدعة التي تصدر عنها الأجوبة على جميع المشكلات التي يمكننا أن نحلها، وهو أم جميع الإمكانيات، التي يؤلف فيها كل من العالم الداخلي والعالم الخارجي وحدة حية كجميع المتناقضات النفسية الأخرى. والتخيل لا يلتفت فحسب نحو الماضي الأصلي المذهب، ولكن نحو المستقبل كذلك، نحو الإمكانيات التي لا تزال غير متحققة، ولكنها قابلة للتحقق" (ماركوز، 2007: 166). |
|
|
| وكما يظهر في روايات الفلسطينيين في الأبحاث التي راجعتها وفي الروايات التي جمعتها لهذه الدراسة، تتخذ فلسطين صوراً مختلفة في الخيال، الماضي الجميل، خاصةً بين فئة اللاجئين الأكبر سناً، فحين تسأل واحدة من العجائز الفلسطينيين عن الحياة في فلسطين قبل تهجير 1948، تسمع أغلبهم/نَّ يقول "كنا عايشين في الجنة" وقد تُعتَبَر هذه الفكرة من قبل الواقعيين منا يوتوبيا، لكن الفلسطيني الذي كان يعيش معتمداً على خيرات أرضه بحياة فلاحيّة أقرب إلى البساطة لا بد أن يستعيد الماضي في خياله كالجنة مقارنة بالحاضر البائس في المخيم ورغبة منه بمستقبل مختلف. ولا يقتصر الخيال على العودة إلى الماضي وإنما كما قال ماركوز: "قد يتّجه خيال الفرد به إلى المستقبل"، وهو ما ظهر في هذا البحث في روايات النمط "الحالم بالغد الأجمل" كما أسميتها في هذه الدراسة، ليُشكل الراوي ماضي فلسطين في خياله بما يلائم الصورة التي يريدها لفلسطين المستقبل. كما في رواية اللاجئة الصفورية التي اختارت أن تخبرني بروايتها عن فلسطين من خلال العمل المسرحي الذي كتبته: ويبدأ بقصة الاقتلاع التي ترويها بسرد قصص ثلاث فتيات جمعتهن صداقة قديمة على أرض الوطن، تجسدت مادياً في صورة التقطها لهم مصور لتحتفظ كل منهن بنسخة منها. لكن الفتيات يفترقن بفعل الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني في العام 1948، لتذهب كل واحدة منهن في اتجاه، وتنتهي قصة المسرحية بالتقاء الفتيات عندما يكبرن، ويظهر هذا اللقاء الشخصي بينهن كتعبير عن حلم يعيش في خيال الراوية لإعادة تجميع أجزاء الوطن بمكوناته الثلاثة: أهل الضفة وغزة، ولاجئو المخيمات، وفلسطينيو العام 1948: |
|
| "عملي بحكي عن أوجاع فلسطين، وجسدت بالمسرحية فلسطين المقسمة إلى ثلاثة أقسام: فلسطين المحتلة اللي هي الضفة وغزة، وفلسطين الـ 48 اللي بقيوا وفلسطين اللي هم نحنا اللاجئين. الثلاثة جسدتهم بثلاث فتيات، كل بنت بتحلم. هن كانوا بمنطقة واحدة بفلسطين، وصار الاحتلال وتبعثروا، واحدة رجعت على الضفة لأنها بالأصل من نابلس، وواحدة طلعت لبرّا، وواحدة بقيت، بظروف خاصة جداً. أنا عملت شوية تحليل، إنه كيف كانوا وشلون طلعوا، عملت دراسة إنه هيك قصة، حكاية. حكاية إنه هدول كان أبوهم يشتغل بنابلس، هن من نابلس وخطر على بالهن إنه يفتحوا محل بالجليل: محل كنافة نابلسية. وسكنوا بمنطقة الجليل، وسكنوا بالحارة اللي فيها هدول الرفقات الثلاثة. واحدة منهن لما صارت حرب الـ 48: إنه كيف خرجونا، كيف طلعونا، حدا طلع، حدا بقي وحدا هرب، تخبى بالكنيسة. أنا عاملتها بكنيسة، لأنه جزء كبير من قرايبنا تخبوا بدير بصفورية. فأنا عملت المسرحية بشكل إله علاقة بالحكايا اللي بذاكرتي. إنه كيف فيك تجسدي حكاية مرتبطة بالواقع؟ لأنه فعلاً في عالم بقيت بفلسطين، قدرت تبقى، مو بس قصة صمود، بس في ناس قدرت تتسلل، تتشبث وتتخبى وفي ناس ظرفهن كان إنه طلعت بهجرة جماعية. وهدلون الثلاثة كان عندهن صورة، صورهم واحد من هدول المصورين اللي بدوروا، إجا على القرية وصور وقال لهن: خذوا هالصورة وكل واحدة تحتفظ فيها لأنه أبصر كل واحدة فيكن وين راح تصير! وببلش يحكي مع الست والجد تبع البنت اللي بالشمال إنه بسمع عن حكي إنهم بدهم يقلعوا الفلسطينية، ويجيبوا يهود عم بقولوا إنه فلسطين ما فيها ناس وبدهم يرجعوا اليهود يسكنوها، هون برجع بغمز على الأسطورة الصهيونية اللي بتقول أنها أرض بلا شعب. من خلال المسرحية حاولت أدخل عناصر الأكاذيب والأساطير والواقع. فاحدى الفتيات بتنتبه وبتخاف وبتقول لرفقاتها: إنه احنا يا بنات لازم نتشبث بالصورة ... أطفال عمرهن ثمان سنوات رجعوا التقوا بعد خمسين سنة ببلد أجنبي لأنه الثلاثة ما قدروا يلتقوا على أرض الوطن. والثلاثة عندهن حلم، اللي برا، صارت مصورة شهيرة بالعالم. وعندها حلم إنها ترجع على فلسطين، بتصور كل الدنيا إلا فلسطين ما قدرت تصورها وهذا الجرح الفظيع، والبنت اللي في نابلس بتحكي عن وجعها، وجع الاحتلال ووجع الشهداء ووجع القهر، والبنت اللي في الـ 48 بتحكي عن وجع الجنسية الثانية ومعاناتها إنه أنت بأرضك القريبة منك بتشوف الحقل والورد بس صعب تقطف منها وتشمها، بس هي بترسم الصورة لأنها صارت فنانة ... أنا بحكي في هاي المسرحية عن هاي البنت اللاجئة أكثر إشي، المصورة، اللي لفت ودارت وصورت كل العالم ما عدا فلسطين. فبحكي بهاي المسرحية عن هاي البنت اللاجئة اللي هي احنا، بتجسد هاي المسرحية أكثر شي صوتنا ومتضمن فيها الشخصيات الثلاثة كون صورة الضفة واضحة بالإعلام، والـ 48 ما كثير واضحة بس المعاناة هي القبول بالجنسية الثانية، وإحدى الحوارات هي: "قبلنا بالجنسية الإسرائيلية على مضض، قالولنا يا بتقبلوا بالجنسية، يا مكانكم مثل غيركم برا، فقلنا: بقينا، قبلنا بجنسيتهم مرغمين، قلنا الكحل ولا العمى". فأنا من خلال هذا العمل عم بحكي عن هاي الثلاث شخصيات وبحكي عن الحلم." |
|
|
| يُظهر هذا المقطع كيف يوظف اللاجئ خياله لخلق صورة لفلسطين أجمل من صورة الواقع وممكناته المستقبلية: تستخدم الراوية هنا مهاراتها المسرحية والإبداعية والبحثية لتعيد بناء قصتها لفلسطين بما يحقق حلمها باتحاد الأجزاء المبعثرة، فترسم صورة لفلسطين كما تحلم أن تراها. ويظهر من خلال الرواية تداخل عدة عناصر: الذاكرة والخيال والقراءة والبحث في بناء سردية فلسطين. قد يكون هذا نموذجاً فرديّاً، بما هو عمل ينتجه الخيال الإبداعي الفردي، ويعبر عن طاقات واهتمامات الفرد المبدع، لكنه يلعب أيضاً دوراً في بناء الذاكرة العامة كما يبين أندرسن في كتابه "الجماعات المتخيلة" حين بدأ جدالاً مهماً حول العلاقة بين الأدب، لاسيّما الرواية، وبين القوميّة (أندرسون، 1999: 55). حيث يشير إلى الدور المهم للرواية في تكوين وبناء القوميّة عَبر كونها وسيلة معاصرة لتمثيل الجماعة المتخيَّلة. في الرواية، ثمّة عدة شخصيّات تقوم بأدوار مختلفة بدون أيّ رابط، وبدون أن تعرف الشخصيةُ الواحدة الأخرى. القارئ هو الذي يرى الأحداث بتزامن بينها، وهو الذي يعرف انتماء كل الشخصيّات لنفس المشهد الاجتماعي. الأحداث في الرواية موازية - بحسب أندرسون - لـِ "الجماعات المتخيَّلة". |
|
| كما يتضح من مقاربة مفاهيم الذاكرة والمخيال والسرديات للحالة الفلسطينية اليوم، وبالتحديد لوضع اللاجئين الذين مازالوا يعيشون في المخيمات لأكثر من ستين عاماً، فإنه لا يمكن قراءة روايات اللاجئين بمعزل عن الشروط التي يعيشها الرواة. وهي بداية الشرط الاستعماري: الذي استندت في قراءته على نظريات التحليل النفسي للهويات الاستعمارية، فرانز فانون تحديداً. تأتي في الدرجة الثانية ديناميات السيطرة والمقاومة للأيديولوجيا المهيمنة، وتشكل "الهيمنة" hegemony بما هي إحدى أهم مساهمات غرامشي النظرية عن الدور الذي يمارسه المثقفون لاستدخال أيديولوجياتهم الطبقية، ومساهمة ألتوسير عن أجهزة الدولة الأيديولوجية، أحد المداخل لقراءة الواقع الفلسطيني. بالإضافة إلى الاستفادة من أطروحات منظرين مختلفين حول الاغتراب في محاولة لفهم حالتي العجز واللامعيارية السائدة في المجتمع العربي عموماً (بركات، 2006) والفلسطيني خصوصاً (سمارة، 2009). |
|
| فالحياة في ظرف مؤقت وغير مستقر تترك الفلسطيني في حالة انتظار دائم يستدعي عبرها الماضي بغرض البحث عن خيارات حياتية مختلفة في المستقبل. ولا شك أن خيارات اللاجئين ما زالت محدودة، والوجود المادي هنا أي المخيم بما يمثله من حرمان واستلاب سيتأثر بالخطاب السائد الذي يحاول أحياناً تبرير الواقع وأحياناً شحذ الهمم لرفضه. وفي زمن الحداثة والعولمة تتعدد مصادر الخطاب ومضامينه. ومع أن الوجود المادي يبدو متماثلاً للناظر من خارج المخيم، لكنه يختلف من الداخل. فالفاعلون الاجتماعيون مختلفون في صفاتهم وفي الفرص المتاحة لهم، ولابدّ أن يظهر هذا الاختلاف في رواياتهم. |
|
| سيتم نشر الجزء الثاني والأخير من المقالة، بما فيه المراجع، في العدد القادم |